على قطاع المصارف في الشرق الأوسط أن يتولى زمام التعليم المالي

يشهد القطاع المالي في أنحاء الشرق الأوسط تطوراً لافتاً للنظر. وينطبق هذا بالدرجة الأكبر على دول مجلس التعاون الخليجي التي تتبنى التنويع الاقتصادي الطموح بوصفه جزءاً من مبادرات عديدة تنبثق عن نسخ متعددة من رؤية 2030. ومع ذلك، تشير ورقة تحليل للسياسات صدرت حديثاً عن صندوق النقد الدولي أن المجال يتسع لمزيد من التقدم، لا سيما على صعيد الشمول المالي. ووفقاً للورقة البحثية، يتعين على المنطقة إذا ما أرادت مواصلة النمو الاقتصادي القوي أن تزيد من قدرة الشباب والنساء والشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم على الحصول على التمويل. كما وصفت الورقة الإصلاحات الرامية إلى تحسين المعرفة المالية بالأمر “شديد الأهمية”. 

هذا شيءٌ متوقع حيث يشير تقرير الشمول المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 2020 الصادر عن خليج البحرين للتكنولوجيا المالية إلى أن معدل الشمول المالي في المنطقة يناهز 20%، أي أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 76%، إذ إن 301 مليون شخص في هذه المنطقة لا يملكون حسابات مصرفية. علاوة على ذلك، يظهر استطلاع رأي حديث صادر عن شركة “فيزا” وشركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية أن 53% من المشاركين بالاستطلاع في دولة الإمارات ضمن الفئة العمرية ما بين 16 و24 سنة لا يعتقدون بأن المدارس تعدّهم الإعداد الكافي للتمتع بالاستقلال المالي. ولهذا الأمر أهميته في هذه المنطقة التي يمتاز سكانها عموماً بحداثة السن على مستوى العالم. إذ يلعب الشباب في دول مجلس التعاون الخليجي دوراً حيوياً في مواصلة نموها الاقتصادي مع مرورها بتحول اقتصادي غير مسبوق إلى حد كبير. ولكن هذه الفئة لا تفتقر إلى إمكانية الحصول على الخدمات التي تمكّنها من تحقيق الاستقلال المالي وحسب، بل هي تشعر بأنها لا تمتلك الأدوات التي تعينها على اكتساب المعرفة المالية الضرورية لتولي شؤونها الخاصة. إن مملكة البحرين خير مثال. 

فقد كانت المملكة أول عضو في دول مجلس التعاون الخليجي يباشر مساعي التنويع، إذ تضم قطاع المصارف والخدمات المالية الأقدم والأكثر رسوخاً في المنطقة. فهذا القطاع محرك رئيسي للنمو- إذ يعتبر المساهم الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي باستثناء النفط بنسبة 17%. كما تمتاز المملكة بأعلى نسبة في المنطقة من حيث تحصيل التعليم في المرحلة الثانوية بمقدار 85%. ولكن كما توضح البيانات الواردة في تقرير خليج البحرين للتكنولوجيا المالية، رغم تمتع البلاد بمعدلات مثيرة للإعجاب على مستوى تعليم اليافعين ومع وجود قطاع مصرفي راسخ ومتطور، من المفترض أن يكون عدد المواطنين الذين يملكون حسابات مصرفية أكبر مما هو عليه حالياً. وتعمل الحكومة البحرينية بشكل متواصل على تحسين التنمية الاجتماعية والمالية لمواطنيها وقد أنجزت تقدماً مميزاً على ذلك الصعيد. ولكن ينبغي للقطاع الخاص أن يبادر بالمشاركة الآن من أجل إحداث تغير جذري ملحوظ يقود إلى رؤية تقدم أكثر بروزاً. حسبما تفيد الورقة البحثية لصندوق النقد الدولي، لقد ساهم القطاع المصرفي بشكل ملحوظ في التطور المالي بالمنطقة.

وبالتالي يتعين على هذه المؤسسات أن تدعم المواطنين على صعيد إتاحة التعليم المالي الضروري للغاية- إذ إن غياب هذا التعليم يشكّل عقبة كبرى أمام مواصلة النمو الاقتصادي المستدام. ولقد خطا بنك السلام- البحرين (بنك السلام) خطوات مبكرة في هذا الاتجاه. فتطبيق الخدمات المصرفية الذي أصدره حديثاً يعتبر مؤشراً على توجه أوسع يجتاح القطاع المصرفي في المنطقة – ألا وهو التحول الرقمي السريع. غير أن بنك السلام دشن خاصية مبتكرة وفريدة في هذا التطبيق وهي حسابات العائلة. تتيح الخاصية الجديدة للعميل أن يحصل على حسابات إضافية وبطاقات صراف آلي لأبنائه وأفراد الأسرة الآخرين، بحيث يتمكنون من الاطلاع على رصيد الحساب وسجل التعاملات من خلال 

منصة دخول مخصصة لهم على التطبيق. كما يمكن للعميل الأساسي أن يتعقب مصروفات حملة الحسابات الإضافية. وهذا يعني أنه بات بمقدور الآباء والأمهات أن يشركوا أبناءهم في إدارة مواردهم المالية في سن مبكرة، مع القدرة على مراقبة نشاطهم المالي عن كثب. وبينما يشجع التطبيق الشباب على الاستقلال المالي، فإنه يشجع ايضاً على تداول النقاش بين أفراد العائلة حول الادخار وترشيد الإنفاق. وتسهم هذه الخاصية في إيصال الخدمات المصرفية إلى أفراد العائلة كلها دون الاقتصار على العميل. يشهد قطاع المصارف حول العالم تغيراً ملحوظاً مع استجابة القطاع لما يستجدّ من حاجات العملاء في ظل العصر الرقمي. وقد أدت جائحة كوفيد-19 المستمرة بالانتشار في التحفيز بشكل أكبر على تبني التحول الرقمي، مع محاولتنا جميعاً التأقلم مع “الوضع الطبيعي الجديد” متمثلاً في التباعد الاجتماعي والعمل عن بعد وتنفيذ عمليات الشراء عبر الإنترنت. وفي ظلّ تطور العالم بما ينسجم مع هذا الواقع الجديد، يتعين على قطاع المصارف أن يكون أكثر شمولاً وابتكاراً بهدف تقديم النتائج المرجوة لكافة الأطراف المعنية. إن لإتاحة التعليم المالي في سن مبكرة دورٌ هام في تمكين الشرق الأوسط من إتمام التحول الاقتصادي بنجاح. ولا بد من إحداث تغيير في نمط التفكير المألوف لتحقيق هذه الغاية. ومن، يا ترى، أفضل من مصارف المنطقة ليقود هذا النوع من التغيير؟

هذا الموقع مسجل على wpml.org كموقع تطوير. قم بالتبديل إلى مفتاح موقع الإنتاج إلى remove this banner.