الابتكار الرقمي: نظام عمل جديد للمصارف

نحن نعيش في عالم يعتمد على الأنماط الرقمية وعمليات التشغيل الآلي بشكل متزايد، ويتميز بالتقدم التكنولوجي المتسارع في إطار ما بات يُعرف اليوم باسم الثورة الصناعية الرابعة. ومع انتشار جائحة كورونا “كوفيد-19” على مستوى العالم، تم الاستغناء مؤقتاً عن ممارسات العمل التقليدية وأصبح العمل عن بعد، باستخدام تكنولوجيا الاتصال وقنوات الدفع الرقمية، هو الحل الأمثل. وبهذا أصبح الوباء عاملاً محفّزاً لتبني التقنيات واستخدامها بشكل يومي في شتى أنحاء العالم على نحو غير مسبوق. وفي ذات الوقت، سلط الوباء الضوء على المجالات والقطاعات التي قد تكون غير متطورة، بالمقارنة مع غيرها، فيما يتعلق بالرقمنة.

هذا الأمر مشهود في قطاع الصيرفة العالمي، الذي تطور بخطوات متثاقلة مقارنةً بأغلب القطاعات الأخرى، مما ساهم في بناء ممارسات عمل راسخة ومتأصلة فيه. ومع ذلك، لمواجهة التغيرات في احتياجات المستهلك والأثر المتزايد لمشاريع التكنولوجيا الرقمية المنافسة، يتعين على القطاع أن يتكيف بسرعة ليحافظ على دوره. وتعد مملكة البحرين نموذجاُ يحتذى به في هذا الشأن، فقد كانت أول من بدأ مساعي التنويع الاقتصادي في المنطقة، وهي مقر لأول وأبرز مركز مالي متكامل في منطقة الخليج، مما عزز دور خبراتها المصرفية في بناء منظومة عمل محفزة للتكنولوجيا المالية. فقد سمحت هذهٍ المنظومة بالتعاون الوثيق بين مؤسسات القطاع المصرفي التقليدية ومشاريع التكنولوجيا المالية المبتكرة، وهذا ما خلق علاقة اندمجت فيها مسارات عمل الطرفين وتطورت كبديل لاحتمالية التنافس الشديد، مما أتاح فرصاً جديدة للتعاون عوضاً عن التركيز على المنافسة.

من الطبيعي أن يكون أداء مشاريع التكنولوجيا المالية أفضل عندما تدعمها مؤسسات مالية ذات أهداف وقيم مشتركة. وفي البحرين، نرى مشاريع تكنولوجيا مالية جديدة تعمل جنباً إلى جنب مع المصارف لطرح الخدمات المصرفية المفتوحة وتوفير أجهزة الصرّاف الآلي المزوّدة بالأنظمة البيومترية وغير ذلك من التقنيات. وبالإضافة إلى ذلك، استفادت المصارف من تلك المشاريع على الصعيد المعرفي وهي تطرح الخدمات المصرفية الرقمية الخاصة بها بشكل متزايد.

ففي مصرف السلام، على سبيل المثال، ركزنا على بناء منصة مدعومة بتقنية الحوسبة السحابية لتساعدنا على تحقيق أهدافنا في مجال التكنولوجيا الرقمية. ونواصل عملنا الدؤوب لتطوير خدماتنا القائمة وإجراءاتنا التشغيلية يوماً بعد يوم لنضمن توفير منتجات رقمية حقيقة وذات دور فعال بصورة متوافقة مع احتياجات العملاء وتطورها.

ففي عالم اليوم، إذا أرادت البنوك الاحتفاظ بمكانتها، فلا بد من أن تضع التكنولوجيا في صميم أولوياتها الاستراتيجية وأن تعيد للمستهلكين إمكانية وصولهم للبيانات. يجب أن يكون الابتكار الرقمي هو نظام العمل الجديد في المصارف وأن يكون التمكين المالي هو ما يدعو إليه الجميع.

وفي الوقت الذي يواجه فيه العالم إحدى أبرز حالات طوارئ الصحة العامة في المائة عام الماضية، يتمتع هذا النوع من الخدمات الرقمية بأهمية كبيرة. فإن تقليل الاتصال بالآخرين واستخدام العملات الورقية بات أمراً مهماً لمحاصرة انتشار العدوى، وكذلك الخدمات المصرفية الإلكترونية التي تقلل من الحاجة إلى الخروج من البيت حفاظاً على السلامة العامة.

وقد أثبت القطاع المصرفي البحريني استعداده وقدرته على الابتكار. والفضل في ذلك يعود إلى حدٍ كبير لمصرف البحرين المركزي، الجهاز الرقابي الرائد الذي يعمل بشكل وثيق مع مجلس التنمية الاقتصادية في البحرين، والذي بدوره يُعنى بتشجيع الاستثمار في المملكة، وذلك من أجلخلق منظومة عمل حيث تزدهر الابتكارات التكنولوجية والمالية والرقمية.

وأنشأت البحرين أول مختبر تنظيمي (Regulatory Sandbox) لتطوير قطاع التكنولوجيا المالية في المنطقة حيث يمكن لشركات التكنولوجيا المالية اختبار وطرح منتجاتها المبتكرة. ويقوم حالياً 32 من المتقدمين باختبار أفكارهم بينما خرج اثنين بالفعل من المختبر التنظيمي ويتم تقديم خدماتهما في جميع أنحاء المملكة.

ومن خلال التعاون الوثيق بين أصحاب المصلحة المعنيين، أصدرت البحرين قوانين جديدة للإفلاس وخصوصية البيانات والمنافسة، بالإضافة لمجموعة من التشريعات المتكاملة للصيرفة المفتوحة والعملات المشفرة وخدمات الحوسبة السحابية. وخلال هذه المرحلة الحرجة، عزز مصرف البحرين المركزي أيضاً كفاية رأس المال في القطاع وقدم ترتيبات تيسيرية لإعادة الشراء (ريبو) تصل إلى 6 أشهر بنسبة 0%، هذا بالإضافة لمبادرات أخرى.

وربما الأهم من ذلك كله هو النهج التعاوني بين مصرف البحرين المركزي ومجلس التنمية الاقتصادية في البحرين لاستقطاب وتنمية الابتكار. وهو ما سمح لمصرف السلام بالشراكة مع شركة الاستثمار الصينية (MSA كابيتال (بإطلاق صندوق السلام – إم إس إيه البحرين 1 ش.ا.م (MEC فينتشرز) وهو الأول من نوعه في توحيد أسواق التكنولوجيا ورؤوس الأموال في الصين ومنطقة الشرق الأوسط. كما يستعد الصندوق للاستثمار في العديد من المشاريع الناشئة النوعية ليتم إضافتها إلى محفظته التي تشمل الشركة الإندونيسية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي (Eureka) التي تعمل في تتبع وتنظيم كميات هائلة من بيانات الاتصالات المتنقلة.

وعلى مدى عقود، عُرفت البحرين بأنها العاصمة المالية للخليج. ولكن في عصر التحول الرقمي السريع، يجب أن يستمر القطاع في الابتكار من أجل أن يظل رائداً على المستوى الإقليمي. والحاجة إلى الابتكار في القطاع لا تقتصر على الشرق الأوسط، فقد أكدت الجائحة فوائد الرقمنة وكذلك مخاطر الفشل في تبنيها على نطاق أوسع. ولعل أحد الجوانب الإيجابية لهذه الأزمة العالمية هو أنها ستكون بمثابة حافز للتحول الرقمي الذي تشتد حاجة القطاعات إليه. وحتى من دون أزمات عالمية، لم يعد الخيار متاحاً للقطاع، فالتحول الرقمي ضروري للاستمرارية والبقاء.

هذا الموقع مسجل على wpml.org كموقع تطوير. قم بالتبديل إلى مفتاح موقع الإنتاج إلى remove this banner.